الأحد، 13 مارس، 2011

الشعب الأبي، أم الشعب الأمي؟

لنكن صريحين.. ما يحدث في عمان اليوم ليس بالأمر الهين، سواء أكانت تقترفه أيد خارجية أم هو نتيجة عفوية لتأثير الدومينو (أو فلنقل التقليد؟) وما أبرعنا نحن العمانيون عندما يتعلق الأمر بالتقليد!

يوما بعد يوم يزداد الوضع تعقيدا وتزداد المطالب سخافة، كنا نتأمل لو تم احتواء الوضع منذ البداية حتى لا يستفحل الأمر كما هو حاصل اليوم. ولو أتيح لي المجال لإلقاء اللوم فسألقيه على الحكومة لأسباب تطول، أبرزها وأهمها أن الحكومة دللت الشعب وعودته على الاتكالية وعدم الاعتماد على النفس وعدم السعي في طلب الرزق. الوضع غريب جدا في البلاد، لم نتصور أبدا أن تصلنا تلك العدوى، حيث أننا دائما ما نطالع القنوات الإخبارية عن بعد ونحمد الله أن اسم عمان لا يتم ذكره في نشرات الأخبار ولطالما خيّل إلينا أننا بمنأى عن كل ذلك مهما اتسعت رقعة "الثورات العربية".

إن مختلف البلدان العربية التي شهدت المظاهرات الحاشدة كان هدفها واضحا وصريحا: “الشعب يريد.. والشعب يريد..” وهي شعوب لو تتبعنا وضعها وأحوالها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عبر التاريخ الحديث لوجدنا أنها رزحت تحت وطأة طغاة مارسوا أبشع أنواع الدكتاتورية رغم أن كل شيء بدا طبيعيا في سابق الأيام وقبل أن تنهش النيران جسد الرجل التونسي الفقير. وكان لتلك الشعوب ما أرادت ولسبب بسيط للغاية: هو أن تلك الشعوب تعرف ماذا تريد ووحدت كلمتها ووضعت نصب أعينها هدفا لم تحد عنه ألا وهو إسقاط تلك الأنظمة.

لكن في المقابل برزت "الثورة الهادئة" في عمان كما تحب وسائل الإعلام الأجنبية أن تسميها، شرارة بسيطة أشعلها بعض الباحثين عن العمل في صحار سرعان ما انتشرت لتسيء إلى الاقتصاد وإلى الروابط الاجتماعية وإلى هيبة الحكومة والأمن وإلى نفسية السلطان نفسه حسب ما يتناقله الكثيرون. الأهم من ذلك كله أنها أساءت إلى سمعة عمان والعمانيين، سمعة عمان أرض الأمن والاستقرار والطمأنينة، وسمعة العمانيين ذوي الأخلاق السامية والمعروفين بالهدوء وطاعة ولي الأمر. قد يبادرني البعض برد مفاده أن لا أحد قد تجرأ على ذات السلطان وأن كافة المظاهرات والاعتصامات تهتف بحياة السلطان، ولكن قد لا تكون تلك هي نفس الصورة التي يعكسها الإعلام الخارجي عنا.

كثرت التظاهرات والاعتصامات وتعددت المطالب، لكن أبرز ما يمكن أن يتم استخلاصه هنا هو نقطتين: أولاهما أن الشعب "لا يعرف ماذا يريد"، والنقطة الثانية هي أن العمانيين لم يكونوا يعرفون حقوقهم في ما يتعلق بإبداء الرأي، والتي لم تتجشم الحكومة عناء شرحها لهم ربما إدراكا منها بالعواقب التي قد تنتج عن ذلك وهو ما يحصل حاليا. والمضحك أنه عندما عرف العمانيون أن لهم الحق في التعبير عن الرأي وإبداء المطالب قامت مجموعة منهم بتجاوز الحد سواء على مستوى المطالب أو على مستوى التعدي على الممتلكات. والأكثر إضحاكا من ذلك كله أن نتبين أن مجموعة من العمانيين لم يذاكروا النظام الأساسي للدولة جيدا والذي ينص على حقهم في إبداء الرأي، وهم اليوم يطالبون بتغيير الدستور.

هنالك الكثير من الأمور التي تسترعي الانتباه نحوها ربما من أبرزها دخول الإعلام الجديد بقوة لتكون له الكلمة العليا وليكون مصدر الأخبار (والإشاعات) الأول حتى بالنسبة للقنوات الإخبارية العالمية من أمثال الجزيرة والعربية والبي بي سي والحرة وغيرها. بينما برزت الرسائل النصية المجهولة المصدر كلاعب رئيسي في خضم هذه الأحداث، والتي اختلف الجميع على هوية مصدرها، حيث قال البعض بأن مصدرها الحكومة (أو الأجهزة الأمنية لنكون أكثر دقة) من أجل احتواء الأزمة في مراحل مبكرة وتعزيز اللحمة الوطنية والتفاف الشعب حول القيادة عن طريق الإشارة إلى ضلوع جهات خارجية في هذه الأحداث. بينما قالت مجموعة أخرى بأن مصدر هذه الرسائل جهات خارجية تحاول خلق البلبلة داخل النسيج العماني المتوحد عن طريق التفرقة بين "الفئة المخربة" والعمانيين "أصحاب الولاء للسلطان" وذلك عن طريق الدعوة للخروج في مظاهرات مؤيدة للسلطان تارة (ومن قال أن أحدا كان ضد السلطان؟)، وتوجيه الدعوة لسكان المناطق لأن يثوروا، وكان آخرها حسب ما أشيع دعوة أهالي المنطقة الداخلية للثورة "لأن دورهم قد حان".

تراودني أحيانا فرضية مجنونة لن أتردد في طرحها هنا، ماذا لو كانت كل هذه الأحداث التي شهدها الوطن العربي طوال الأسابيع الماضية مخططا لها مسبقا؟ ماذا لو تدخلت تلك الأيادي الخارجية لتجعل من البوعزيزي الفقير اليائس من الحياة يشعل نفسه ومن ثم تبدأ هي بدورها بإضرام النار في مختلف البلدان العربية؟ ألا يمكن أن تكون تلك الجهات قد قامت بتهييج الشارع العربي بنفس الطريقة التي نعيشها حاليا (الرسائل النصية المجهولة الموجهة) وبذلك أطاحت بأنظمة بأكملها؟ هي فرضية قد تكون صحيحة لو تتبعنا جيدا الوسط الرئيسي المشترك الذي قامت عليه هذه الثورات.. الشبكات الاجتماعية التي لا يوجد هنالك حاجز بينها وبين الناس لأنها أساسا من الناس وإليهم.

نقطة أخيرة أود تنبيه العقلاء إليها جيدا، وهي التصرفات غير المنطقية من قبل الكثير من مرتادي المنتديات الذين لا يخدمون الأهداف النبيلة التي قد أوجدتها حالة الحراك الاجتماعي في البلاد. فتجدهم يسيئون إلى بعض المطالب السامية تارة بمحاولة استغلال هذا الحراك للترويج لأفكار مستوردة لا تمت للمجتمع العماني بأي صلة ولا تعبر عن مطالبهم بتاتا، وتارة بتنصيب أنفسهم رؤساء للحكومة يطالبون فيها بتغيير من يشاؤون من المسؤولين دون إبداء أسباب منطقية، وأخرى بالتطاول على المسؤولين وعدم القدرة على التفريق بين الشخص لشخصه وبين الشخص لمنصبه. إن النقد البناء يجد طريقه دائما إلى مسامع الحكومة، ولكن السب والتجريح وتلفيق الأكاذيب لا تعود على صاحبها إلا بالسيئات.

رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله.